حياته:
في يوم عيد الملك ميكائيل و الموافق ل: 29 من شهر سبتمبر عام 1571، ولد فنان روما الأشهر الحامل لاسم مايكل أنجيلو ميريزي ، و الذي اشتهر لاحقا بلقب كارافاجيو بعد انتقاله إلى مدينة كارافاجيو رفقة والدته، إثر إنتشار الطاعون الذي أودى بحياة أقاربه و والده عندما كان في سن السادسة. و بعد سبع سنوات قضاها في كنف أمه ماتت هي الأخرى في عامه الثالث عشر ، لينخرط في حياة الشوارع و الشغب، و ليضطر إلى الفرار في عام 1591 إلى روما بعد اعتداءه على ضابط شرطة على الأرجح، و قد تنقل فيها من مهنة إلى أخرى في سبيل كسب قوت يومه.
تميز كارافاجيو بروعة أسلوبه المبتكر و المثير للجدل وقتها، حيث أنه و على عكس بقية الفنانين في عصره، يميل إلى تصوير الحياة الواقعية و لو كانت أقل نبلا، و قد أعجب بفنه الكاردينال فرانشيسكو ماريا ديل مونتي، فاقترب منه و أسكنه في قصره و ساعده على دخول المجتمع الراقي و النخبوي، ليكون بمثابة حلقة وصل بين كارافاجيو و العديد من النبلاء و الفنانين و رجال الدين، فأنتج فناننا وهو عند الكاردينال ما يقرب 40 عملا فنيا، و ذلك لسرعة عمله الذي أدى إلى زيادة إنتاجه الفني، و قد تميزت أعماله المبكرة بالكثير من الصبية و النساء البدينات.
لكن وضعه في روما لم يكن على أحسن حال، فقد سجن في العام 1603 نتيجة اعتداءه على فنان، و قتل رجلا بعدها بثلاث سنوات أي في 1606، فحكم عليه بالإعدام ففر من روما.
و لم تنتهي أعمال شغبه العنيفة عند هذا الحد، فقد هاجم سنة 1608 أحد أشجع الفرسان و أقدمهم في وسام القديس يوحنا في مالطا، ليسجن في أحد أحصن السجون و الذي تمكن من الهرب منه بعد شهر واحد. غير أن جيوفاني رودومونتي رويرو الفارس الذي اعتدى عليه عاد منتقما بعد سنة، فشوه وجه أنجيلو خارج إحدى الحانات.
و بعد الواقعة بعام توفي رسام الليل الأزلي في ظروف يكتنفها الغموض، و ذلك في 18 من شهر يوليو عام 1610،في طريقه إلى روما في محاولة لنيل العفو و الغفران من البابا، و لكنه ترك لنا نحو 80 لوحة رسمت خلال حياته القصيرة التي لم تدم أكثر من 39 عاما.
و في عام 2010 اكتشف العلماء بعد اجراء بحوثاتهم على رفات كارافاجيو، أن عظامه تحتوي على نسب كبيرة من الرصاص كفيلة بقتله، فافترض أنها السبب في موته، و قد أقيم في روما في نفس السنة معرض بمناسبة ذكرى وفاته الأربعمئة، فاستقبل المعرض أكثر من نصف مليون زائر.
https://youtube.com/watch?v=GhRxlUpMouk&si=U6HglakfnLeD9XQZ
لوحاته:
-لوحة يهوديت تقطع رأي هولوفرنيس:
(1598_1599)
تصور هذه اللوحة قصة ذكرت في سفر يهوديت، حيث تتسلل الأرملة يهوديت إلى معكسر القائد الآشوري هولوفرنيس، فتقطع رأسه أثناء سكرته لتنقذ مدينتها من الغزو. و قد اختلف أنجيلو عن باقي الفنانين في رسم المشهد، حيث ركز من سبقه على رسم مشهد خروجها منتصرة حاملة الرأس في يدها، بينما رسم كارافاجيو اللحظة الدارمية الأشد توترا، لحظة قطع الرأس، حيث تظهر يهوديت بملامح مشمئزة غير سعيدة، كما لو أنها تعاني من صراع أخلاقي، حول عدم رغبتها في القتل و حاجتها إلى إنقاذ مدينتها.
بجانبها خادمتها العجوز و التي كانت غالبا ما ترسم كشابة، تحمل كيسا في يدها ليوضع فيه الرأس، أما القائد الآشوري فينظر صارخا إلى يهوديت بملامح مرتعبة.
"ثُمَّ أَخْرَجَتْ رَأْسَ أَلِيفَانَا مِنَ الْمِزْوَدِ وَأَرَتْهُمْ إِيَّاهُ قَائِلَةً: «هَا هُوَذَا رَأْسُ أَلِيفَانَا رَئِيسُ جَيْشِ الأَشُّورِيِّينَ وَهَذِهِ خَيْمَةُ سَرِيرِهِ الَّتِي كَانَ مُضْطَجِعًا فِيهَا فِي سُكْرِهِ حَيْثُ ضَرَبَهُ الرَّبُّ إِلَهُنَا بِيَدِ امْرَأَةٍ."(سفر يهوديت الاصحاح 13، الآية 19)
لوحات لفنانين آخرين:
-لوحة دعوة القديس متى:
(1599_1600)
تروي اللوحة قصة دعوة يسوع لجابي الضرائب متى حتى يصبح تلميذا له. في اللوحة نرى يسوع في ملابس رثة بسيطة بجانبه القديس بطرس، و يشير المسيح بيده إلى متى داعيا إياه، حركة يده تشبه حركات الأيدي في لوحة خلق آدم، أما متى فنراه جالسا على طاولة رفقة جماعة من محصلي الضرائب، و فوق الطاولة عملات نقدية و أوراق و حبر.
ينظر متى إلى يسوع بنظرات شك و عدم تصديق، مشيرا بيده إلى صدره كأنه يقول:" هل تقصدني أنا؟ ".
و بعد تأمل هذه اللوحة لا يسعنا سوى التفكير في الرسالة التي لربما أراد فناننا إيصالها:" الإيمان لا يولد إلا من رحم الشك "
"وَفِيمَا يَسُوعُ مُجْتَازٌ مِنْ هُنَاكَ، رَأَى إِنْسَانًا جَالِسًا عِنْدَ مَكَانِ الْجِبَايَةِ، اسْمُهُ مَتَّى. فَقَالَ لَهُ: «اتْبَعْنِي». فَقَامَ وَتَبِعَهُ." (إنجيل متى 9 : 9 )
-لوحة شك القديس توما:
(1601_1602)
شكك توما في قيامة المسيح بعد صلبه و ظهوره لتلامذته فتوما لم يكن معهم، و عندما أخبروه أجاب بأنه لن يصدق حتى يرى أثر المسامير في يدي و رجلي المسيح، و يدخل إصبعه مكان طعنة الحربة، و ذلك بالفعل ما تصوره اللوحة، حيث يمسك المسيح بيد توما و يدخلها في مكان الطعنة.
أَمَّا تُومَا، أَحَدُ الاثْنَيْ عَشَرَ، الَّذِي يُقَالُ لَهُ التَّوْأَمُ، فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ حِينَ جَاءَ يَسُوعُ.
" فَقَالَ لَهُ التَّلاَمِيذُ الآخَرُونَ: «قَدْ رَأَيْنَا الرَّبَّ!» فَقَالَ لَهُمْ: «إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي يَدَيْهِ أَثَرَ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ، لَا أُومِنْ».
وَبَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ كَانَ تَلاَمِيذُهُ أَيْضًا دَاخِلًا وَتُومَا مَعَهُمْ. فَجَاءَ يَسُوعُ وَالأَبْوَابُ مُغَلَّقَةٌ، وَوَقَفَ فِي الْوَسْطِ وَقَالَ: «سَلاَمٌ لَكُمْ!»
ثُمَّ قَالَ لِتُومَا: «هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ، وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي، وَلَا تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِنًا».
أَجَابَ تُومَا وَقَالَ لَهُ: «رَبِّي وَإِلَهِي!»
قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لأَنَّكَ رَأَيْتَنِي يَا تُومَا آمَنْتَ! طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا»." (إنجيل يوحنا 20:24_29)
-لوحة ذبيحة إسحاق:
(1603)
تجسد حدثا ذكر في سفر التكوين حيث أمر الله إبراهيم بالتضحية بابنه إسحاق، ثم أرسل ملاكا في اللحظة الأخيرة ليمنعه و يقدم له كبشا ليذبحه عوضا عن ابنه.
-لوحة داوود مع رأس جالوت:
(1606)
تجسد مشهد إنتصار داوود على جالوت، حيث يحمل داوود في يده رأس عدوه بملامح هادئة متأملة لا تظهر عليها شرارة السرور بالنصر، و قد إتخذ كارافاجيو نفسه كنموذج، حيث يشبه داوود أنجيلو الصغير في شبابه، بينما يشبهه جالوت في كبره، و قد يرمز استخدامه لنفسه كنموذج إلى ندمه و انتقامه من نفسه إثر ارتكابه لجريمة القتل.
-لوحة موت العذراء:
(1605_1606)
طلبت لكنيسة سانتا ماريا ديلا سكالا، لتعليقها في مذبح مصلى عائلة كيروبيني، و لكنها رفضت من قبل رهبان الكنيسة، لأنها صورت العذراء كامرأة عادية ميتة لا تظهر عليها ملامح القداسة ، بطنها منتفخ نسبيا و أرجلها ظاهرة متشققة، و لأن كارافاجيو اتخذ جثة بائعة هوى كنموذج للعذراء.
-لوحة قطع رأس يوحنا المعمدان:
(1608)
أراد هيرودوس أن يتزوج هيروديا امرأة أخيه فيلبس، فأخذها منه و هو حي، و لم يقوى أحد على منعه سوى يوحنا الفقير الزاهد، الذي دخل عليه قصره و عاتبه و دعاه إلى التوبة، لكن هيرودوس رفض وسجنه و حاول قتله لولا أنه خاف من الشعب الداعم له.
بعدها أقام هيرودوس احتفالا بعيد ميلاده، رقصت فيه ابنة هيروديا من فيلبس بعد أن طلبت منها والدتها ذلك لإغراء هيرودوس، و قد نجحت بالفعل فأقسم بأن يلبي لها كل ما تطلبه، فطلبت رأس يوحنا لتحافظ على مكانة أمها كملكة.
و على عكس بقية الفنانين الذي جسدوا المشهد الأخير من القصة، اللحظة التي تحمل فيها ابنة هيروديا الطبق الذي يحوي رأس يوحنا، فقد كان فناننا دراميا أكثر، فاختار لحظة قطع الرأس في السجن، حيث نرى يوحنا مستلقيا على الأرض بجانبه صوف خروف كرمز للتضحية بينما تسيل دماءه على الأرض، و ينحني عليه جلاده و وراء يده سكين، و بقرب الجلاد رجل و امرأة عجوز تمسك أذنيها كي لا تسمع أنين و صرخات يوحنا، و أما سالومي ابنة هيروديا فتمسك طبقا تنتظر أن يوضع فيه الرأس، على اليمين سجينان ينظران عبر القضبان و لربما يكونان في انتظار دورهما.
"1 فِي ذلِكَ الْوَقْتِ سَمِعَ هِيرُودُسُ رَئِيسُ الرُّبْعِ خَبَرَ يَسُوعَ، 2 فَقَالَ لِغِلْمَانِهِ: «هذَا هُوَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ قَدْ قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ! وَلِذلِكَ تُعْمَلُ بِهِ الْقُوَّاتُ». 3 فَإِنَّ هِيرُودُسَ كَانَ قَدْ أَمْسَكَ يُوحَنَّا وَأَوْثَقَهُ وَطَرَحَهُ فِي سِجْنٍ مِنْ أَجْلِ هِيرُودِيَّا امْرَأَةِ فِيلُبُّسَ أَخِيهِ، 4 لأَنَّ يُوحَنَّا كَانَ يَقُولُ لَهُ: «لاَ يَحِلُّ أَنْ تَكُونَ لَكَ». 5 وَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَهُ خَافَ مِنَ الشَّعْبِ، لأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ مِثْلَ نَبِيٍّ. 6 ثُمَّ لَمَّا صَارَ مَوْلِدُ هِيرُودُسَ، رَقَصَتِ ابْنَةُ هِيرُودِيَّا فِي الْوَسْطِ فَسَرَّتْ هِيرُودُسَ. 7 مِنْ ثَمَّ وَعَدَ بِقَسَمٍ أَنَّهُ مَهْمَا طَلَبَتْ يُعْطِيهَا. 8 فَهِيَ إِذْ كَانَتْ قَدْ تَلَقَّنَتْ مِنْ أُمِّهَا قَالَتْ: «أَعْطِني ههُنَا عَلَى طَبَق رَأْسَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ». 9 فَاغْتَمَّ الْمَلِكُ. وَلكِنْ مِنْ أَجْلِ الأَقْسَامِ وَالْمُتَّكِئِينَ مَعَهُ أَمَرَ أَنْ يُعْطَى. 10 فَأَرْسَلَ وَقَطَعَ رَأْسَ يُوحَنَّا فِي السِّجْنِ. 11 فَأُحْضِرَ رَأْسُهُ عَلَى طَبَق وَدُفِعَ إِلَى الصَّبِيَّةِ، فَجَاءَتْ بِهِ إِلَى أُمِّهَا. 12 فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَرَفَعُوا الْجَسَدَ وَدَفَنُوهُ. ثُمَّ أَتَوْا وَأَخْبَرُوا يَسُوعَ." (إنجيل متى 14: 1_12)
لوحات لفنانين آخرين:
أخيرا و رغم كل الأحداث الجنونية العنيفة التي اقتحمت حياة كارافاجيو، لا يجدر بنا سوى استنكار جرائمه و الإشادة بعبقريته الفنية و بأسلوبه الواقعي المبتكر، فهو الفنان الذي تخلى عن القداسة و احتضن الواقع، فصور العذراء كامرأة عادية ميتة، و صور القديسين كرجال بسطاء بأرث الثياب و الملابس، و ألقى الضوء على الوجوه في لوحة مظلمة، و إذا لم يعجب فنه الرهبان الذين اعتادوا على القداسة فإنه سيعجب بالتأكيد أولئك الذين احتكوا و اصطدموا بجدار الواقع الأليم مثله.

















جميل جداااا و الله ابداع
يجب علينا الاشادة بأسلوبك الجميل
و اتمنى ان تتحدثي مستقبلا عن لوحة خلق آدم فانا اجهل حكايتها