كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة صباحا و قد حان وقت الكتابة، فأسرعت إلى مكتبها الخشبي القابع في ركن مظلم و جلست بهدوء، أخرجت أدوات الكتابة من الدرج و وضعتها على المكتب. و لكن كان عليها أن تصالح أولا قبل الكتابة بين القلم و الدفتر، ذلك أن الدفتر لا يرغب في سيلان دماء القلم على صفحاته البيضاء النقية، لذا فهو يرمقه بنظرات عداء شديدة واضحة بينما يبادله القلم هو الآخر نظرات الحزن و التعاسة، لأنه لا يريد أن يراق دمه بأكمله و يلقى به في سلة المهملات وسط كم من النفايات المنزلية العفنة. و لكن لا سبيل لهما لتغيير الوضع ذلك أنها أكدت مرارا و تكرارا بأنها يجب أن تكتب شيئا اليوم و لا يتم ذلك طبعا إلا باستخدامهما، و قد حاولت إقناعهما أيضا بخطاب عن غرضهما من الوجود في هذا العالم الذي يحكمه البشر.
عبس الدفتر و قال: و لكن صفحاتي ترفض بشكل قاطع هذا القلم! تقول بأنه لا يعجبها فلتحضري إذا قلما آخر و عندها يمكن أن نتفاهم.
و كانت الصفحات تنظر بعبوس شديد و تختلس النظرات إلى القلم، و سبب ذلك أن القلم بمثابة شريك حياة لها وجب أن تختاره بعناية.
اعترض القلم: و هل تظن أنني كنت سأقبل بالكتابة على تلك الأوراق الصفراء القديمة المتآكلة العفنة؟ قطعا لا، أحضري دفترا آخر و عندها فقط سنتفق.
نظرت الفتاة بدهشة إلى كلاهما و حاولت إيجاد سبيل للتفاوض، و لكن كل محاولاتها باءت بالفشل و رفض كلا منهما على أن يتفاهم.
صاحت مهددة : و هل تظننان بأنني متفرغة لشجاركما العقيم هذا؟ إنني لا أملك الوقت الكافي! علي تسليم العمل غدا للطبع ، و إن واصلتما على هذه الحال فأشتري فورا آلة للكتابة و سينتهي بكما المطاف مرميان هناك.. في ذلك الركن المظلم، رفقة كل تلك الأشياء عديمة النفع.
صمت كل منهما و ابتلع ريقه بخوف، و نطق القلم: إلا ذلك الركن.. إلا ذلك، ألا تعلمين أنني ذو غرض سام؟ أخبريني من يكتب الأشعار الندية و....
قاطعه الدفتر ساخرا: و ذو غرض دنيء أيضا! أخبرني من يكتب الرسائل الغرامية؟ و رسائل الابتزاز؟ و خطابات الكراهية؟ من يكتب الروايات المبتذلة غيرك ؟
فأجابه حانقا: و على ماذا أكتب كل هذا؟ أليس على أوراقك؟ على الأقل مهمتي الكتابة فقط لكنها ستظل تحمل تلك الكتابات إلى الأبد حتى تحرق أو تمزق.
حدقت الفتاة فيهما بنظرة تدل على نفاذ الصبر و أوشكت على النهوض لتتركهما، و لكنهما أوقفاها بسرعة معلنين التفاهم بينهما ، فما كان عليها إلا الرجوع إلى مكانها و الاعتذار منهما على ما ستفعله في حقهما، ثم باشرت بالكتابة فأعادت سرد الوقائع التي حدثت لها للتو مع الدفتر و القلم.




رائع 😭✨️
جميلة جداً ❤️🥲