عزيزي التائه في غابة الوهم! إنني أدعوك للنزول من تلك الشجرة العالية و الجلوس معي على ضفة الوادي، وطبعا ستفعل لأنك في مخيلتي و أنا صاحبة هذا العالم، حسنا، حسنا، ليس هذا بأسلوبي في الحديث فانزل أو ابق فصوتي و رسائلي تصلك في أي ركن كنت.
إنني أزداد اقتناعا كل يوم بعجز عباراتي و كلماتي في التعبير عما يتقد داخلي، فبعض الأفكار و المشاعر لا يمكن أن تترك عرشها الشعوري الفكري لتدنس أثوابها بطينة الألفاظ و العبارات ، و بالتفكير في الأمر فطالما كان الحديث عن العلاقة بين الفكر و اللفظ أو اللغة بصفة عامة محل نقاش بين الفلاسفة و العقول النابغة، حيث انقسمت الآراء فيه إلى إتجاهين:
أولا: الإتجاه الأحادي (علاقة إتصال):
يعتقد هذا الإتجاه أن الفكر و اللغة كيان واحد متصل و متطابق، لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، فمن غير الممكن تصور الفكر دون اللغة و لا اللغة بدون الفكر، و يستند هذا الإتجاه إلى حجة أن الفكر لا يكتمل إلا داخل إطار لغوي ذلك أن قوة التفكير تولد بلاغة التعبير و العكس صحيح، و قد قال أرسطو طاليس أحد رواد هذا الإتجاه:«ليس ثمة تفكير دون رموز لغوية. »
و قال الفيلسوف الألماني هيجل: «اللغة وعاء الفكر.»
و لكن إذا كان الفكر و اللغة كيانا متصلا، فكيف تفسر التعثرات اللغوية و عدم إيجاد اللفظ المناسب لوصف الأفكار و المشاعر؟
ثانيا: الإتجاه الثنائي (علاقة إنفصال):
على نقيض الإتجاه الأول فإن الإتجاه الثنائي يفصل الفكر عن اللغة ، فالفكر أوسع لأنه في تجدد مستمر و الأفكار تتغير من فترة إلى أخرى، ففكر العصور القديمة مختلف عن العصور المعاصرة، و أفكار الشاب مختلفة عن أفكار الكهل، غير أن اللغة تأخذ منحى بطيئا في عملية التجدد فقد تظل على حالها لآلاف السنين، و قد قال أفلاطون:«اللغة ليست سوى أداة للتعبير عن فكر سابق عنها.»
و لكن رغم إختلاف الفلاسفة في علاقة بينهما إلا أن المتفق عليه أنهما ما يميزان الكائن البشري عن غيره من الكائنات و هما من يشكلان الذات الإنسانية ، و أنا أرى أن الفكر أرجل تأخذنا إلى عوالم الأفكار و أن اللغة يد تبدع وصفا لهذه العوالم.







هذا يذكّرني برواية "1984" للمؤلف: جورج أوريل.
احيانا تكون منفصله