بإمكان العقل البشري فهم دوافع الجريمة التي يصاحبها نوع من المشاعر البشرية كالطمع، الجشع، الحاجة، الكراهية، و حتى الرغبة في الإنتقام، غير أن الجرائم التي يستعسر فهمها هي تلك التي يؤمن صاحبها بأنها نوع من الفضيلة و بأنه سيتحصل على الثواب جراءها و سيرتفع درجة أو درجات عند الله تمكنه من دخول الفردوس بجانب الأنبياء و الصالحين و حتى القديسين ، و في هذا المقال سنستعرض جرائم وقعت في : الإسلام، المسيحية، و أخيرا اليهودية.
أولا: الإسلام:
يحتوي الدين الإسلامي كنظائره من الأديان الأخرى على كم هائل من الجرائم التي تم تبرريها باسمه و باسم الله، و كمثال على ذلك الغزو الإسلامي للهند ( العصر الغزنوي و عصر سلطنة دلهي) و الذي صنف كواحد من أبشع و أسوء الإبادات في التاريخ، و قد قال عنه ويل ديورانت الفيلسوف و المؤرخ الأمريكي: "لعل الفتح الإسلامي للهند أن يكون أكثر قصص التاريخ تلطخا بالدماء"
و كمثال على وحشية الجرائم التي ارتكبت في هذين العصرين، يكفي أن نذكر اسم السلطان فيروز شاه و الذي وضع جائزة مالية لكل من يقتل هنديا و يجلب رأسه إليه.
و بالنسبة للقرن الحالي فقد ظهرت جماعات إرهابية و مسلحة كداعش و القاعدة و التي تعرف بنشاطاتها الإجرامية، القتل، الخطف، الترهيب، التعذيب، التفجير إلخ، و التي ترتكب غالبا على غير المسلمين و حتى المسلمين المختلفين عن داعش في العقيدة و الذين يرفضون أفعالهم.
و بعد فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل أمرنا الإسلام بذلك؟ بالطبع لا و إننا إذا ما بحثنا في الإسلام فلن نجد أي أوامر بقتل الكفار المسالمين، بل سنجد آيات من القرآن تأمرنا بحسن معاملتهم و عدم إكراههم على الإسلام.
قال الله تعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾.سورة يونس (الآية 99)
قال الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾.سورة البقرة (الآية 256)
قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.سورة النحل (الآية 125)
قال الله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.سورة الأنفال (الآية 61)
قال الله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: 8).
قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة: 190).
قال الرسول محمد ﷺ: «من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة» (رواه البخاري)، والمعاهد هو كل غير مسلم بينه وبين المسلمين عهد أو أمان أو دخل بلادهم بطريقة مشروعة.
ثانيا: المسيحية:
كانت محاكم التفتيش الإسبانية من أكثر المؤسسات الدينية بشاعة، حيث تم فيها قتل و تعذيب المسلمين الموريسكيين و اليهود و حتى المسيحيين المتهمين بالهرطقة، كما عاش اليهود قرونا في أروبا يتعرضون فيها للاضطهاد من قبل بعض المسيحيين.
و قد استخدمت المسيحية لتبرير الاستعمار الأروبي عدة مرات، ففي الاستعمار الإسباني و البرتغالي للأمريكتين مثلا تم اتخاذ فكرتي تنصير الشعوب و نشر المسيحية كوسيلة لتبرير الاحتلال.
و هنا نعود إلى طرح نفس السؤال: هل أمرت العقيدة المسيحية بالجريمة؟ و الجواب هو: لا لم تؤمر المسيحية بذلك، و نحن إذا ما قرأنا و بحثنا في الأمر فسنجد بأن الإنجيل يحتوي على العديد من الآيات التي تأمر بمحبة الأعداء و المختلفين و الإحسان إليهم.
إنجيل لوقا (6: 35-36): "بَلْ أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، وَأَحْسِنُوا وأقرضوا وَلاَ تَيْأَسُوا شَيْئاً، فَيَكُونَ أَجْرُكُمْ عَظِيماً... فَكُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكَ الرَّحِيمَ هُوَ رَحِيمٌ".
إنجيل لوقا (9: 54-56): عندما رفضت قرية سامرية (غير مؤمنة بالمسيح) استقبال يسوع، طلب تلميذاه نزول نار من السماء لإهلاكهم، فوبخهما قائلاً: "لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مِنْ أَيِّ رُوحٍ أَنْتُمَا! لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ أَنْفُسَ النَّاسِ، بَلْ لِيُخَلِّصَهَا".
إنجيل متى (26: 52): "فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ!".
إنجيل يوحنا (18: 36): "أَجَابَ يَسُوعُ: مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هَذَا الْعَالَمِ، لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لاَ أُسْلَمَ إِلَى الْيَهُودِ".
إنجيل متى (5: 44): "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لَاعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ".
ثالثا: اليهودية:
ليس بإمكاننا التطرق إلى الجرائم التي اتركبت من قبل جماعات يهودية ، دون الحديث عن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، فقد تجاوز عدد الشهداء في غزة 73 ألف شهيد منذ السابع من أكتوبر، ناهيك عن المشردين و الجرحى، و كما يجدر بنا الحديث أيضا عن الهجمات الإسرائيلية على جنوب لبنان و التي سقط فيها الآلاف من الشهداء و الجرحى.
هذا في العصر الحديث أما القديم فنذكر مذبحة نجران في اليمن في عام 523، حيث ارتكب الملك الحميري اليهودي ذو نواس مجرزة ضد أهالي نجران المسيحيين.
و يتكرر السؤال: هل هنالك تعاليم يهودية تأمر بالمذابح؟ و الجواب هو: نعم و لا و ذلك لوجود نصوص متناقضة مع بعضها البعض، نصوص تأمر بالقتل و نصوص تنهى عنه، و النصوص التي أمرت به كانت لشعوب محددة كالكنعانيين و العماليق إلخ.
سفر التثنية (الإصحاح 20 : 16-17):"وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيباً فلا تستبقِ منها نسمة ما، بل تحرمها تحريماً: الحثيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين، كما أمرك الرب إلهك". (كلمة "تحرّمها" في السياق الكتابي تعني الإبادة المخصصة لله).
سفر صموئيل الأول (الإصحاح 15 : 3):"فالآن اذهب واضرب عماليق، وحرموا كل ما له ولا تعفُ عنهم، بل اقتل رجلاً وامرأة، طفلاً ورضيعاً، بقراً وغنماً، جملاً وحماراً".
و كما سبق أن ذكرت فهنالك نصوص أخرى تشير بالتسامح مع غير اليهود و الإنصاف في معاملتهم.
سفر الخروج (22: 21): «وَلاَ تَضْطَهِدِ الْغَرِيبَ وَلاَ تَضَايِقْهُ، لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ غُرَبَاءَ فِي أَرْضِ مِصْرَ».
تلمود، بابا قاما (113 ب): «يُحْظَرُ سَلْبُ أَوْ سَرِقَةُ غَيْرِ اليَهُودِيِّ عَقْداً أَوْ فِعْلاً، بَلْ إِنَّ سَرِقَةَ غَيْرِ اليَهُودِيِّ هِيَ ذَنْبٌ أَشَدُّ أَمَامَ اللهِ مِنْ سَرِقَةِ اليَهُودِيِّ، لِأَنَّ فِيهَا دَنَسٌ لِاسْمِ اللهِ (حِلُولُ هَشِيمْ)».
باب الملوك والحروب (10: 11): «نَحْنُ مَأْمُورُونَ بِإِعَالَةِ فُقَرَاءِ أُمَمِ العَالَمِ، وَعِيَادَةِ مَرْضَاهُمْ، وَدَفْنِ مَوْتَاهُمْ كَمَوْتَى اليَهُودِ، كُلُّ هَذَا مِنْ أَجْلِ طُرُقِ السَّلَامِ (مِبْنِي دَرْكِي شَالُومْ)».
كتاب الشريعة (مشنيه توراه)، باب الملوك والحروب (10: 12): «يَجِبُ عَلَى المَحَاكِمِ اليَهُودِيَّةِ أَنْ تُعَيِّنَ قُضَاةً لِهَؤُلَاءِ الأَجَانِبِ (المقيمين) لِيَقْضُوا بَيْنَهُمْ بِالعَدْلِ وَفْقَ أَحْكَامِهِمْ، حَتَّى لَا يَظْلِمَ أَحَدٌ أَحَداً».
تلمود، توسيفتا سان هيدرين (13: 2): «صَالِحُو أُمَمِ العَالَمِ لَهُمْ نَصِيبٌ فِي العَالَمِ الآخِرِ».










كالعادة مقالة رائعة !
♡ رائع