قراءة في جدارية العشاء الأخير لليوناردو دافينشي.
عندما أنتج دافينشي واحدة من أكثر اللوحات شهرة في الفن المسيحي.
نبذة مختصرة عن الجدراية:
جدارية العشاء الأخير للفنان الفلورنسي الشهير ليوناردو دافينشي، هي لوحة على جدار غرفة طعام الرهبان في دير سانتا ماريا بمدينة ميلان الإيطالية ، تجسد حدثا من أهم الأحداث في الديانة المسيحية، وهو العشاء الأخير للسيد المسيح رفقة تلامذته الإثنا عشر قبل صلبه، و يعتبر هذا العشاء السطر الأخير للعهد القديم و الإنطلاقة الأولى أو التمهيد للعهد الجديد، وقد جسد إلى جانبه مشهد للصلب على الجدار المقابل، و ذلك بسبب الارتباط الوثيق الذي يجمع بين الحدثين.
الأوضاع في فلورنسا و الطابع الفني السائد في اللوحات السابقة:
رسم دافينشي هذه اللوحة خلال ثلاث سنوات ما بين 1495 و 1498 و قد كلفه بذلك دوق ميلانو لودوفيكو سفورزا ، فلباه ليوناردو مسرورا بسبب تدهور الأوضاع و منها الفنية في مدينته عاصمة الفن فلورنسا، و التي تلقت حظرا كنسيا بسبب إعدام حاكم المدينة لورينزو دي ميديشي لرئيس الأساقفة فرانشيسكو سالفياتي، جراء مشاركته في الإنقلاب الفاشل الذي أودى بحياة أخ الحاكم ، و بسبب كون الكنيسة أكبر داعم للفن حيث تكلف الفنانين برسم لوحات و أيقونات تجسد أحداث دينية تدهورت أوضاع الرسامين نتيجة الحظر .
ولم تكن لوحته هي اللوحة الوحيدة التي صورت معالم العشاء ، بل وجدت لوحات عديدة غيرها، امتازت بنفس الطابع، وجوه جامدة، حركات قليلة، هالات مقدسة فوق رأس المسيح و تلاميذه ما عدا رأس يهوذا و الذي ما كان يعزل غالبا عن بقية الحواريين و يجلس وحيدا في إشارة إلى خيانته.
غير أن الفن لم يلبث في جموده بل كان يتطور شيئا فشيئا، لتظهر العديد من التقنيات الفنية كالمنظور الهندسي، و التي بدأت تبث الروح في اللوحات لتصبح واقعية أكثر، و كذلك كانت تجسيدات العشاء الأخير في طريقها نحو الواقعية، و لكن سرعتها نحوها كانت بطيئة فأخذ ليوناردو على عاتقه مسؤولية إيصالها إلى الواقع بشكل سريع و مثالي.
إختيار اللحظة المناسبة:
إن عبقرية فناننا تتجلى في إختياره لتصوير أكثر اللحظات توترا من العشاء ، لحظة إعلان المسيح عن وجود خائن سيسلمه للصلب.
"الحق أقول لكم: إن واحدا سيسلمني" (إنجيل متى 21:26)
"واحد منكم سيخونني" (يوحنا 13:21)
و قد قسم المسيح الخبز إلى كسرات وزعها على تلاميذه و سقاهم إلى جانب ذلك من كأسه، و إن للخبز رمزية جسد يسوع و للشراب رمزية دمه الذي سفك لتكفر به خطايا المؤمنين حتى يعيشوا الحياة الأبدية.
"خذوا كلوا هذا هو جسدي و دمي، اشربوا منها كلكم لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد، يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا" (متى 28-26:26)
القراءة الفنية للوحة:
في قلب اللوحة يجلس يسوع بملامح هادئة مطمئنة رغم معرفته بالمصير الذي ينتظره، جسمه على شكل هرم كدلالة على الثبات و عدم التزعزع، ملابسه حمراء و زرقاء، ترمز إلى الدم و الفداء و السماء.
أرجله ملتصقة ببعضها كما تسبق رجل أخرى في وضع يشبه وضع الصلب .
و على مقربة منه يوحنا و الأحب إليه، و الذي يبدو هادئا و مطمئنا هو الآخر-رغم عدم خلو ذلك من الحزن-، لأن السيد المسيح قد أعطاه إشارة للخائن.
"و كان أحد تلاميذه، الذي كان يسوع يحبه، متكئا على مائدة قريبة من يسوع" (يوحنا 23:13)
عليه ينحني بطرس واضعا يده على كتفه بتعابير فضولية استفسارية كأنما يسأله عما أخبره به المسيح.
كما أنه يخبأ خلف ظهره خنجرا حتى لا يراه يسوع و ليحميه به، و الذي سيستخدمه لاحقا أثناء إقتياد المسيح إلى الصلب فيقطع به أذن خادم رئيس الكهنة "مالكوس"، لكن المسيح لا يسر بفعلته و يؤنبه بإرجاع الأذن إلى مكانها سليمة بمعجزة.
بينهما يقبع الخائن يهوذا، و على وجهه أمارات يظهر عليها الخوف من اكتشاف أمره، ما تظهره أيضا عروق رقبته البارزة.
يده اليسرى ممتدة إلى الطبق الذي يمد إليه المسيح يده اليمنى، و هي علامة الخائن.
" الذي يغمس يده معي في الصفحة، هو يسلمني "(إنجيل متى 23:26)
كما يمسك في يده اليمنى بإحكام صرة نقود هي أجرة فعلته، ليوقع بذراعه زجاجة الملح و التي تحمل دلالة هي الأخرى.
"أنتم ملح الطعام، و لكن إن فسد الملح فبماذا يملح؟ لا يصلح بعد لشيء، إلا أن يطرح خارجا و يداس من الناس "(إنجيل متى 13:5)
و تشير هذه الآية إلى التلاميذ و الذين لابد أن يكون لهم مفعول كمفعول الملح في الأطعمة، فيعطون نكهة للحياة و يمنعون الفساد فالملح كان يستخدم قديما كمادة حافظة، لذا فإن سكب يهوذا للزجاجة يعبر عن نقيض هذه الرسالة العظيمة و خيانته لها.
و لم يقلد دافينشي باقي الفنانين في عزل يهوذا بل عزلة بطريقته الخاصة،حيث سلط الإضاءة على الجميع و تركه وحيدا في الظلمة.
وراءهم أندراوس أخو بطرس و الذي يرفع كلتا يديه لنفي التهمة عنه.
و خلفه يضع يعقوب الصغير يدا عليه و يدا على أخيه ليربط بذلك الإخوة ببعض.
و في آخر اللوحة من الجهة اليسرى ينحني برثلماوس كالقوس كأنه يغلق حيز اللوحة.
في الجهة الأخرى على يمين المسيح يقف يعقوب ابن زبدي و قد ارتسمت على وجهه ملامح قلقة، ذراعاه مفتوحتان إما في محاولة لحماية المسيح أو كرد فعل للصدمة. و هو أخ يوحنا الأكبر و ابن خالة المسيح، و لذلك يتوفر شبه شديد بين الثلاثة.
و بقربه يتخذ فيلبس وضعية و تعابير مضطربة تليق بالأجواء المتوترة التي تحيط بالمشهد.
و بمحاذاته يرفع توما سبابته و قد رسم على هذه الطريقة لسبب طبعا، فقد قام المسيح بعد صلبه من الموت و ظهر إلى تلامذته، و لكن توما لم يكن معهم و لم يصدقهم عندما أخبروه، بل و أجاب بأنه لن يصدق حتى يرى أثر المسامير في يده و رجليه، و يدخل إصبعه مكان طعنة الحربة التي طعنه بها العسكري الروماني في جنبه.
أما متى صاحب إنجيل متى فيعطي ظهره ليسوع و لكنه يشير إليه بذراعيه.
و بجانبه كل من تداوس أخ يعقوب الصغير و سمعان القانوني و الذي يتخذ جسده شكل القوس أيضا لإغلاق الجهة اليمنى من اللوحة.
أخيرا: مصير يهوذا الإسخريوطي
ذكر في إنجيل متى أنه بعد صلب السيد المسيح ندم يهوذا على تسليمه، و أعاد ثلاثين قطعة من الفضة ثم شنق نفسه.

































توقعت اني هدخل تعليقات هلاقي شتايم علي رموزنا المقدسه , لاكن العكس لقيت تقبل واحترام , حقيقي في امل اننا نتقدم
احلى مقاله 🩶