نشأته:
ولد فريدريك نيتشه الفيلسوف و الشاعر الألماني و أحد أكثر الشخصيات تأثيرا و جدلا في القرن العشرين، في 15 من أكتوبر عام 1844 بقرية روكن في بروسيا (ألمانيا حاليا)، لعائلة مسيحية بروتستانتية متدينة ميسورة الحال، حيث كان والده كارل لودفيج قسا و قد انتمى أجداده سواء من جهة أمه أو أبيه إلى الكنيسة، لينشأ وسط أجواء محافظة و روحية، و قد كان له في صباه صوت مؤثر في تلاوة الإنجيل فلقبه أصدقائه بالقسيس الصغير.
و لكن الطفل فريدريك لم يقدر له الهناء الطويل في الحياة الأسرية الدافئة، حيث توفي والده سنة 1849 و لم يتجاوز سن الخامسة، و توالت الصدمات عليه و على العائلة فتوفي أخوه الصغير زيوف بعد ستة أشهر من فاجعة والده و ذلك في 4 من يناير 1850.
سنوات الشباب:
عرفت حياة فريدريك منحنى آخر و انقلابا جديدا في السنين الأولى لشبابه ، حيث غلب عليه الطابع التشائمي لتأثره بالفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور، و الذي يرى الحياة شرا مطلقا و يعتبر العدم خيرا فيقدسه و يبجله ، و قد عرف بأفكاره العدائية للمرأة كونها تلد أفرادا جددا في عالم تملؤه المأساة و المعاناة.
درس نيتشه في الجامعة الفيلولوجيا (فقه اللغة التاريخي و هو علم دراسة النصوص القديمة) و اللغات القديمة، و اهتم في سنة تخرجه بالفلسفة الإغريقة القديمة، حيث فضل فيها الفلسفة الأبيقورية و الفلاسفة الذريين على اللذين جاؤوا من بعدهم كسقراط و أرسطو، و قد رفض الفلسفة الأفلاطونية باعتبارها بعيدة كل البعد عن الواقع في نظره، و رفض إلى جانبها الفلسفة المسيحية أو المسيحية ككل و رأي فيها انحطاطا بسبب أخلاقياتها كالشفقة و الضمير و الرقة و التي اعتبرها أخلاقا تليق بالعبيد لا بالسادة، و لذلك نجده في المقابل يمجد الإغريق كونهم أهل قوة و فن في رأيه.
و في سنة 1867 تم استدعاء فريدريك للخدمة العسكرية بالرغم من صحته المعتلة و ضعف بصره و كونه الابن الوحيد لأم أرملة ، و لكن خدمته لم تدم طويلا حيث سقط عن صهوة جواده ، فاضطر قائد الفرقة إلى تسريحه من الخدمة بسبب اصابته، فغادر الجيش متأثرا بالحياة العسكرية و الأخلاق الإسبارطية فيه.
بعد الجيش و بالتحديد في عام 1972 كتب كتابه الأول «مولد المأساة» أو «مولد التراجيديا» و الذي تكلم فيه عن الأساطير الإغريقية و ارتباط الحضارة بالموسيقى، التي زاد تأثره بها بسبب الموسيقار الشهير ريشارد فاغنر، و الذي كتب نيتشه يقول عنه في كتابه «هو ذا الإنسان»: "لقد شعرت لدى أول احتكاك لي بفاغنر، أنا الذي أشعر من أعماق غرائزي كلها بالغربة تجاه كل ما هو ألماني إلى حد أن مجرد القرب من أي ألماني يسبب لي سوء الهضم، إنني أتنفس بحرية لأول مرة في حياتي: أحسست أنني أقدره كبلد أجنبي، كنقيض و اعتراض حيوي على كل الفضائل الألمانية"
و بإمكاننا أن نذكر موقفا لطيفا و لربما محرجا جمع بينهما ، حيث حاول نيتشه نظرا لاهتمامه بالموسيقى الكلاسيكية تأليف مقطوعة موسيقية على البيانو تحت عنوان "صدى ليلة من ليالي سيلفستر" أهداها إلى زوجة فاغنر: كوزيما و التي كان معجبا بها، و لكن المقطوعة بلغت من الرداءة إلى حد أن كوزيما نفسها لم تستطع إكمال العزف على البيانو من شدة الضحك. و قد نصحه فاغنر أيضا في هذا الخصوص بدعابة لربما كانت مرحة، حيث قال: "لو أنك أصبحت موسيقيا لكنت، تقريبا ما سأكونه أنا لو دخلت ميدان الفيلولوجيا"
غير أن صداقتهما لم تدم طويلا و سرعان ما افترقا لأسباب عديدة لا داعي لتفصيلها هنا.
و قد واجه كتابه «مولد التراجيديا» العديد من الانتقادات اللاذعة و التي نذكر منها ما صرح به أحد زملاءه ، الفيلولوجي هرمان أوسنر: "إنه عبث لا أكثر و لا أقل. هذا الكتاب لا يصلح لشيء: من كتب شيئا من هذا القبيل فقد أعلن موته بالنسبة للعلم"
من المرض إلى الجنون:
بعد سنة 1876 اعتلت صحة نيتشه الجسدية أكثر و أكثر، فعانى من صداع نصفي مزمن، و آلام شديدة في المعدة، إضافة إلى ضعف البصر الذي منعه من الكتابة و أجبره على إملاء أفكاره على الموسيقار الشاب بيتر جاست ، و ليضطر بعدها إلى الإستقالة من منصبه كأستاذ للفيلولوجيا في جامعة بازل في 1879.
و في 1882 التقى فريدريك بالمرأة التي ارتبطت بسيرته الذاتية إلى الأبد، المرأة التي أعجب بها أغلب مفكرين عصره كسيغموند فرويد، و التي خطفت منه لبه فطلبها للزواج عدة مرات و لكنها كانت ترفضه في كل مرة، التقى بلو أندرياس سالومي، و التي يفترض بأنها كانت سببا (ولو كانت هناك أسباب أخرى عديدة غيرها) في تشكيل نظرته المليئة بالكراهية للمرأة، و التي نراها بشكل جلي في كتابه «هكذا تكلم زرادشت» و الذي كتبه بعد أشهر قليلة من صدمته العاطفية التي تلقاها منها ، و قد ركز فيه على مناقشة فكرتي موت الإله و الإنسان الأعلى.
في أواخر 1888 بدأت أعراض المرض النفسي تظهر بشكل جلي على نيتشه ، فقد كان يرسل رسائل غريبة إلى أصدقاءه موقعة بأسماء مثل «ديونيسوس» (إله الخمر و النشوة في الميثولوجيا الإغريقة القديمة، و هو ابن كبير الآلهة زيوس من أم بشرية تدعى سيميلي) و «المصلوب».
كما ظهرت علائم الجنون في كتابه «هو ذا الإنسان» و الذي هو أقرب لكونه سيرة ذاتية له ، حيث كان يعلي فيه من شأن نفسه و يعظمها و يبجلها إلى أقصى الحدود، فنجده يقول مثلا: " بما أنني نويت أن أوجه للبشرية خلال فترة قصيرة أكبر تحد شهدته في تاريخها كله، فإنه ينبغى علي أن أقدم نفسي، أن أقول من أنا. من أنا في نهاية المطاف؟ في الواقع إنه كان ينبغي على الناس أن يعرفوا من أنا لأني لست من أولئك الذين عاشوا أو ماتوا دون أن يتركوا شهادة أو أثرا على مرورهم فوق هذه الأرض. ولكن التفاوت الهائل بين عظمة مهتمي و صغار معاصري تتجلى في الحقيقة التالية: و هي أن أحدا لم يسمع بي و لم يرني! أنا أعيش فقط على الرصيد الذي أوليه لنفسي، على إيماني بذاتي. و ربما كان وجودي ذاته عبارة عن وهم؟ أنا شخص غير موجود على الإطلاق! يكفي أن أتحدث مع أي مثقف ألماني يجيء إلى سويسرا حيث أقيم لكي أتأكد من أني غير موجود أبدا. لا أحد يسمع بي. لا أحد يعرف من هو فريدريك نيتشه!... و لذلك فإن من واجبي أن أقول لكم محذرا: اسمعوا أيها الناس: فأنا كذا و كذا، و لست كذا و كذا. إياكم ثم إياكم أن تغلطوا في أو تخلطوا بيني و بين أي شخص آخر! "
و قد أصبح جنونه حقيقة لا رجعة فيها في شهر يناير 1889، حيث رأى رجلا يضرب حصانه بالسوط بقسوة بمدينة تورينو الإيطالية ، فبكى نيتشه و احتضن رقبة الحصان حتى أصيب ظهره ببعض ضربات السوط ثم سقط مغشيا عليه ، فأدخل للمصحة العقلية بعدها و أخرجته منها والدته فتولت رعايته و التي انتقلت إلى أخته إليزابيث بعد وفاتها.
و يمكننا تلخيص بعض أسباب جنونه في:
-وحدته و خلو حياته تقريبا من الأصدقاء، حيث يقول عبد الرحمان بدوي في هذا الخصوص:" كان كل كتاب جديد يكلفه صديقا و قطع صلة "
و قد كتب نيتشه نفسه إلى صديقه الوفي الوحيد أوفريك قبل جنونة بقليل رسالة يقول فيها: " “إني أشتاق إلى الكائنات البشرية و أبحث عنهم، و لكنني دائما أجد نفسي فقط مع أنني لم أشتق لنفسي. لم يعد يأتي أحد إلي، و لقد ذهبت إليهم جميعا و لم أجد أحدا “
و في رسالة أخرى: "الآن لم يعد أحد يحبني، فكيف أستمر في حبي للحياة؟!"
"حتى الضوضاء تكون عزاء بالنسبة للإنسان الوحيد"
-صدماته العاطفية المتكررة و عدم وجود امرأة تشاركه مأساته، فقد كانت الفتيات تنفر منه بسبب عينيه الحادتين و نظراته المخيفة.
-تطرفه الفكري في آخر حياته و الذي عجل من جنونه.
-أمراض عصبية مثل الزهري العصبي و الجلطات والسكتات، و وراثته لمرض والده العصبي و الذي توفي بسببه.
وفاته:
في 25 من أغسطس (أوت) 1900 في مدينة فايمار الألمانية و عن عمر يناهز 56 سنة توفي فريدريك نيتشه، بعد حرب دامت مع الجنون لمدة 11 سنة انتهت بانتصار الجنون و خسارة فريدريك.












